ابن خلدون

350

تاريخ ابن خلدون

مع كثرة تحكمه فيهم يتنحى لهم بعض الأوقات بما يأتونه من تقصير في شفاعة أو مخالفة في الامر لا يجدون عنها وليجة فيصطنع لهم ذلك فلما قدم عليه عبد الواحد هذا بخبر الفتح وقص عليه القصص دس له أن أهل الدولة مضطربون على سلطانهم ومستبدلون به لو وجدوا وبلغ من ذلك ما حمل وما لم يحمل وأشار له بجلاء المغرب من الحامية جملة وأن دار الملك ليس بها الا كاتب حضري لا يحسن المدافعة وهو أعرف به فانتهز الفرصة ابن الأحمر وجهز موسى ابن السلطان أبى عنان من الأسباط المقيمين عنده واستوزر له مسعود بن رحو بن ماسى من طبقات الوزراء من بنى مرين ومن بنى قودر من أحلافهم وله في ذلك سلف وقد كان بعثه من قبل وزيرا للأمير عبد الرحمن بن أبي يفلوسن حين أجاز إلى المغرب أيام استبداد أبى بكر بن غازي فلم يزل معه حتى كان حصار البلد الجديد واستيلاء السلطان أبى العباس عليها وذهب عبد الرحمن إلى مراكش فاستأذنه مسعود في الانصراف إلى الأندلس فأذن له ورجع عنه إلى فاس ثم فارقها وأجاز إلى الأندلس متودعا ومتودد الكل ومعولا على ابن الأحمر فتلقاه بالقبول وأوسع له النزول والجراية وخلطه بنفسه وأحضره مع ندمائه ولم يزل كذلك إلى أن جهزه وزيرا إلى المغرب مع السلطان أبى عنان وبعث معهما عسكرا ثم ركب السفين إلى سبتة وكانت بينه وبين شرفائها ورؤساء الشورى بها مداخلة فقاموا بدعوة السلطان موسى وأدخلوه وقبضوا على عاملها رحو بن الزعيم المكدولي وجاؤوا به إلى السلطان فملكها غرة صفر من سنة ست وثمانين وسلمها إلى ابن الأحمر فدخلت في طاعته وسار هو إلى فاس فوصلها لأيام قريبة وأحاط بدار الملك واجتمع عليه الغوغاء ونزل الدهس بمحمد ابن الحسن فبادر بطاعته ودخل السلطان إلى دار الملك وقبض عليه لوقته وذلك في عشر ربيع الأول من السنة وجاء الناس بطاعته من كل جانب وبلغ الخبر إلى السلطان أبى العباس بمكانه من نواحي تلمسان بأن السلطان موسى قد نزل بسبتة فجهز علي بن منصور وترجمان الجند وجند النصارى ببابه مع طائفة منهم وبعثهم حامية لدار الملك فانتهوا إلى تازا وبلغهم خبر فتحها فأقاموا هنالك وأغذ السلطان أبو العباس السير إلى فاس فلقيهم خبر فتحها بتاوريرت فتقدم إلى ملوية وتردد في رأيه بين المسير إلى سجلماسة من المغرب أو قصد المغرب ثم استمر عزمه ونزل بتازا وأقام فيها أربعا وتقدم إلى الركن وأهل دولته خلال ذلك يخوضون في الانتقاض عليه تسللا إلى ابن عمه السلطان موسى المتولي على فاس ويوم أصبح من الركن أرجفوا به ثم انتقضوا عليه طوائف قاصدين فاس ورجع هو إلى تازا بعد أن انتهب معسكره وأضرمت النار في خيامه وخزائنه ثم أصبح بتازا من ليلته فدخلها وعاملها يومئذ الخير من موالي